achik karim

achik karim
طفل يتيم :

ينتسب عمر المختار إلى قبيلة المنفه إحدى كبريات قبائل المرابطين ببرقة, ولد عام 1862م في قرية جنزور بمنطقة دفنة في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا على الحدود المصرية..

تربى يتيما .حيث وافت المنية والده مختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة.

تلقى عمر المختار تعليمه الأول في زاوية جنزور, ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسى قطب الحركة السنوسية، فدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.

ظهرت عليه علامات النجابة ورزانة العقل،، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسى مما زاده رفعة وسمو، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه السيد المهدي واصفاً إياه " لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم ".

فقد وهبه الله تعالى ملكات منها جشاشة صوته البدوي وعذوبة لسانه واختياره للألفاظ المؤثرة في فن المخاطبة وجاذبية ساحرة لدرجة السيطرة على مستمعيه وشد انتباههم،

شارك عمر المختار في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية (السودان الغربي) وحول واداي. وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً, ثم عين شيخاً لزاوية (عين كلك) ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية.

وبعد وفاة السيد محمد المهدي السنوسي عام 1902م تم استدعاؤه حيث عين شيخاً لزاوية القصور.

معلم يتحول إلى محارب :

عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم, فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م, وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي, درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس, كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف, وعندما علم بالغزو الإيطالي سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة. وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي, أذكر منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو 1913م حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم,

ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر 1913, وعشرات المعارك الأخرى.

وحينما عين أميليو حاكماً عسكريا لبرقة, رأى أن يعمل على ثلاث محاور

الأول : قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا

الثاني : قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي..

والثالث :قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا.

لكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م, ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.

الفاشيست والمجاهدون :

بعد الانقلاب الفاشي في إيطالي في أكتوبر 1922, وبعد الانتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا. تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي, واضطر إلى ترك البلاد عاهداً بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار في الوقت الذي قام أخاه الرضا مقامه في الإشراف على الشئون الدينية.

بعد أن تأكد للمختار النوايا الإيطالية في العدوان قصد مصر عام 1923م للتشاور مع السيد إدريس فيما يتعلق بأمر البلاد, وبعد عودته نظم أدوار المجاهدين, فجعل حسين الجويفي على دور البراعصة ويوسف بورحيل المسماري على دور العبيدات والفضيل بوعمر على دور الحاسة, وتولى هو القيادة العامة.

بعد الغزو الإيطالي على مدينة اجدابيا مقر القيادة الليبية, أصبحت كل المواثيق والمعاهدات لاغية, وانسحب المجاهدون من المدينة وأخذت إيطاليا تزحف بجيوشها من مناطق عدة نحو الجبل الأخضر, وفي تلك الأثناء تسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار والإنضواء تحت قيادة عمر المختار, كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح, وعندما ضاق الإيطاليون ذرعا من الهزيمة على يد المجاهدين, أرادوا أن يمنعوا عنهم طريق الإمداد فسعوا إلى احتلال الجغبوب ووجهت إليها حملة كبيرة في 8 فبراير 1926م, وقد شكل سقوطها أعباء ومتاعب جديدة للمجاهدين وعلى رأسهم عمر المختار, ولكن الرجل حمل العبء كاملاً بعزم العظماء وتصميم الأبطال.

ولاحظ الإيطاليون أن الموقف يملي عليهم الاستيلاء على منطقة فزان لقطع الإمدادات على المجاهدين, فخرجت حملة في يناير 1928م, ولم تحقق غرضها في احتلال فزان بعد أن دفعت الثمن غاليا. ورخم حصار المجاهدين وانقطاعهم عن مراكز تموينهم, إلا أن الأحداث لم تنل منهم وتثبط من عزمهم, والدليل على ذلك معركة يوم 22 أبريل التي استمرت يومين كاملين, انتصر فيها المجاهدون وغنموا عتادا كثيرا.

مفاوضات السلام في سيدي ارحومة :

وتوالت الانتصارات, الأمر الذي دفع إيطاليا إلى إعادة النظر في خططها وإجراء تغييرات واسعة,

فأمر موسوليني بتغيير القيادة العسكرية, حيث عين بادوليو حاكماً عسكريا على ليبيا في يناير 1929م, ويعد هذا التغيير بداية المرحلة الحاسمة بين الطليان والمجاهدين.

تظاهر الحاكم الجديد لليبيا في رغبته للسلام لإيجاد الوقت اللازم لتنفيذ خططه وتغيير أسلوب القتال لدى جنوده,وطلب مفاوضة عمر المختار, تلك المفاوضات التي بدأت في 20 أبريل 1929م,

واستجاب الشيخ لنداء السلام وحاول التفاهم معهم على صيغة ليخرجوا من دوامة الدمار. فذهب كبيرهم للقاء عمر المختار ورفاقه القادة في 19 يونيو1929م في سيدي ارحومه. ورأس الوفد الإيطالي بادوليونفسه، الرجل الثاني بعد بنيتو موسليني، ونائبه سيشليانو، ولكن لم يكن الغرض هوالتفاوض، ولكن المماطلة وشراء الوقت لتلتقط قواتهم أنفاسها، وقصد الغزاة الغدر به والدس عليه وتأليب أنصاره والأهالي وفتنة الملتفين حوله..

وعندما وجد المختار أن تلك المفاوضات تطلب منه اما مغادرة البلاد إلى الحجاز اومصر أو البقاء في برقة و انهاء الجهاد .والإستسلام مقابل الأموال والإغراءات, رفض كل تلك العروض, وكبطل شريف ومجاهد عظيم عمد إلى الاختيار الثالث وهو مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة.

تبين للمختار غدر الإيطاليين وخداعهم, ففي 20 أكتوبر 1929م وجه نداء إلى أبناء وطنه طالبهم فيه بالحرص واليقظة أمام ألاعيب الغزاة.

وصحت توقعات عمر المختار, ففي 16 يناير 1930م ألقت الطائرات بقذائفها على المجاهدين,

السفاح يتدخل :

دفعت مواقف المختار ومنجزاته إيطاليا إلى دراسة الموقف من جديد وتوصلت إلى تعيين غرسياني وهو أكثر جنرالات الجيش وحشية ودموية.. ليقوم بتنفيذ خطة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيل في التاريخ في وحشيتها وفظاعتها وعنفها وقد تمثلت في عدة إجراءات ذكرها غرسياني في كتابه "برقة المهدأة":
1- قفل الحدود الليبية المصرية بالأسلاك الشائكة لمنع وصول المؤن والذخائر.
2- إنشاء المحكمة الطارئة في أبريل 1930م.
3- فتح أبواب السجون في كل مدينة وقرية ونصب المشانق في كل جهة.
4- تخصيص مواقع العقيلة والبريقة من صحراء غرب برقة البيضاء والمقرون وسلوق من أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع الإعتقال والنفي والتشريد.
5- العمل على حصار المجاهدين في الجبل الأخضر واحتلال الكفرة.

إنتهت عمليات الإيطاليين في فزان باحتلال مرزق وغات في شهري يناير وفبراير 1930م ثم عمدوا إلى الإشباك مع المجاهدين في معارك فاصلة, وفي 26 أغسطس 1930م ألقت الطائرات الإيطالية حوالي نصف طن من القنابل على الجوف والتاج, وفي نوفمبر اتفق بادوليو وغرسياني على خط الحملة من اجدابيا إلى جالو إلى بئر زيغن إلى الجوف, وفي 28 يناير 1931م سقطت الكفرة في أيدي الغزاة, وكان لسقوط الكفرة آثار كبيرة على حركة الجهاد والمقاومة.

الأسد أسيرا :

في معركة السانية في شهر أكتوبر عام 1930م سقطت من الشيخ عمر المختار نظارته، وعندما وجدها أحد جنود الطليان وأوصلها لقيادته، فرائها غراتسياني فقال: "الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يوماً ما".

وفي 11 سبتمبر من عام 1931م، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في كوكبة من فرسانه، عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوات لحصاره ولحقها تعزيزات، واشتبك الفريقين في وادي بوطاقة ورجحت الكفة للعدوفأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق، ولكن قُتلت فرسه تحته وسقطت على يده مما شل حركته نهائياً. فلم يتمكن من تخليص نفسه ولم يستطع تناول بندقيته ليدافع عن نفسه، فسرعان ماحاصره العدو من كل الجهات وتعرفوا على شخصيته، فنقل على الفور إلي مرسى سوسه ومن ثم وضع على طراد الذي نقله رأسا إلي بنغازي حيث أودع السجن الكبير بمنطقة سيدي اخريبيش. ولم يستطع الطليان نقل الشيخ براً لخوفهم من تعرض المجاهدين لهم في محاولة لتخليص قائدهم.

كان لاعتقاله في صفوف العدو، صدىً كبيراً، حتى أن غراسياني لم يصدّق ذلك في بادىء الأمر،وكان غراتسياني في روما حينها كئيباً حزيناً منهار الأعصاب في طريقه إلي باريس للاستجمام والراحة تهرباً من الساحة بعد فشله في القضاء على المجاهدين في برقة، حيث بدأت الأقلام اللاذعة في إيطاليا تنال منه والانتقادات المرة تأتيه من رفاقه مشككة في مقدرته على إدارة الصراع. وإذا بالقدر يلعب دوره ويتلقى برقية مستعجلة من نغازي مفادها إن عدوه اللدود عمر المختار وراء القضبان. فأصيب غراتسياني بحالة هستيرية كاد لا يصدق الخبر. فتارة يجلس على مقعده وتارة يقوم، وأخرى يخرج متمشياً على قدميه محدثاً نفسه بصوت عال، ويشير بيديه ويقول: "صحيح قبضوا على عمر المختار ؟ ويرد على نفسه لا، لا اعتقد." ولم يسترح باله فقرر إلغاء أجازته واستقل طائرة خاصة وهبط ببنغازي في نفس اليوم وطلب إحضار عمر المختار إلي مكتبه لكي يراه بأم عينيه.

وصل غرسياني إلى بنغازي يوم 14 سبتمبر , وأعلن عن انعقاد "المحكمة الخاصة" يوم 15 سبتمبر 1931م, وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرسياني في الحديث مع عمر المختار, يذكر غرسياني في كتابه (برقة المهدأة):

"وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية. يداه مكبلتان بالسلاسل, رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة, وكان وجهه مضغوطا لأنه كان مغطيا رأسه (بالجرد) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر, وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر, ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح."

غراتسياني: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة لفاشستية ؟

أجاب الشيخ: من أجل ديني ووطني.

غراتسياني:ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟

فأجاب الشيخ: لا شئ إلا طردكم ... لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله.

غراتسياني: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك إن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم ؟.

فأجاب الشيخ: لا يمكنني أن أعمل أي شئ ... وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الأخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح...

ويستطرد غرسياني حديثه "وعندما وقف ليتهيأ للإنصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد, فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء, وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يديه كانت مكبلة بالحديد."

مهزلة المحاكمة :

عقدت للشيخ الشهيد محكمة هزلية صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في 15 سبتمبر 1931م،

وبعد ساعة تحديداً صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت،

وعندما ترجم له الحكم، قال الشيخ "إن الحكم إلا لله ... لا حكمكم المزيف ... إنا لله وإنا أليه لراجعون".

وهنا نقلا حرفيا لمحضر المحاكمة كما ورد في الوثائق الإيطالية :

إنه في سنة ألف وتسعمائة وواحدة وثلاثين ؛ السنة التاسعة ، وفي اليوم الخامس عشر من شهر سبتمبر ، ببنغازي ، وفي تمام الساعة 17 بقصر "الليتوريو" بعد إعداده كقاعة لجلسات المحكمة الخاصة بالدفاع عن أمن الدولة ، والمؤلفة من السادة :

- المقدم الكواليير اوبيرتو فانتيري مارينوني ، رئيسا بالوكالة ، نيابة عن الرئيس الأصيل الغائب لعذر مشروع .

- المحامي د. فرانشيسكو رومانو (قاضي مقرر) .

- الرائد الكاواليير قوناريو ديليتلو (مستشار ، أصيل ) .

- رائد "الميليشيا التطوعية للأمن الوطني (الكواليير جوفاني منزوني ، مستشار أصيل) .

- رائد "الميليشيا التطوعية للأمن الوطني (الكواليير ميكيلي مندوليا ، مستشار أصيل) ، والرئيس بالنيابة عن الرئيس الأصيل ، الغائب بعذر مشروع .

- بمساعدة الملازم بسلاح المشاة ، ايدواردو ديه كريستوفانو (كاتب الجلسة العسكري بالنيابة) .



للنظر في القضية المرفوعة ضد : عمر المتخار ، بن عائشة بنت محارب ، البالغ من العمر 73 سنة ، والمولود بدفنة ، قبيلة منفة ، عائلة بريدان ، بيت فرحات ؛ حالته الاجتماعية : متزوج وله أولاد ، يعرف القراءة والكتابة ، وليست له سوابق جنائية ، في حالة اعتقال منذ 12 سبتمبر 1931.

المتهم بالجرائم المنصوص عليها وعلى عقوباتها في المواد 284-285-286-575-576 (3) ، والمادة 26 ، البنود : 2 - 4 - 6 - 10 ، وذلك أنه قام ، منذ عام 1911م وحتى القبض عليه في جنوب سلنطة في 11سبتمبر 1931، بإثارة العصيان وقيادته ضد سلطات الدولة الإيطالية ، داخل أراضي المستعمرة ، وباشتراكه في نصب الكمائن للوحدات المعزولة من قواتنا المسلحة وفي معارك عديدة وأعمال الإغارة للسلب والنهب واللصوصية مع ارتكاب جرائم قتل بدافع نزعته إلى القسوة والتوحش ، وأعمال البطش والتنكيل ، بقصد إحداث الدمار وسفك الدماء لفصل المستعمرة عن الوطن الأم .

بعد ذلك سمح للجمهور بدخول قاعة الجلسات ، بينما جلس المتهم في المكان المخصص للمتهمين ، تحت حراسة عسكرية ، وهو طليق اليدين وغير مكبل بأغلال من أي نوع .

كما حضر وكيل النيابة العامة السينور "كواليير" أوفيتشالي جوسيبي بيديندو ، كمدعي عسكري ، والمكلف بالدفاع عن المتهم ، المحامي ، النقيب في سلاح المدفعية ، روبيرتو لونتانو .

يعلن الرئيس افتتاح الجلسة . فيحضر أيضا المترجم السيد نصري هرمس الذي يطلب إليه الرئيس الادلاء ببيانات هويته فيجيب :

- نصري هرمس ، ابن المتوفى ميشيل ، وعمري 53 سنة ، ولدت في ديار بكر ببلاد ما بين النهرين (العراق) رئيس مكتب الترجمة لدى حكومة برقة .

يكلفه الرئيس بأداء اليمين المقررة ، بعد تحذيره حسبما هو مقرر ، فيؤديها بصوت عال وبالصيغة التالية : (( أقسم بأنني سأنقل الأسئلة إلى الشخص المقرر استجوابه بواسطتي بأمانة وصدق ، وبأن أنقل الردود بأمانة )) .

فيوجه الرئيس ، عن طريق الترجمان ، أسئلة للمتهم حول هويته ، فيدلي بها بما يتفق مع ما تقدم ، ومن ثم ينبه عليه بالانصات إلى ما سيسمع . وعند هذه النقطة ، يثبت في المحضر طلب وكيل النيابة بإعفاء المترجم نصري من المهمة بسبب وعكة ألمت به والاستعاضة عنه بالكواليير لومبروزو ابن آرونه وماريا قاندوس ، المولود بتونس في 27 - 2 - 1891م ، ومهنته صناعي .

فيكلفه الرئيس بأداء اليمين المقررة ، بعد تحذيره نظاميا ؛

يتلو كاتب الجلسة صحيفة الاتهام ، فيتولى الترجمان ترجمتها للمتهم ، ويسرد بعدها قائمة المستندات والوثائق المتصلة بالدعوى ،

وبعد سردها يكلف الرئيس الترجمان بترجمتها ، حيث إن المتهم غير ملم باللغة الإيطالية ، ومن ثم يبدأ استجوابه حول الأفعال المنسوبة إليه ؛ فيرد عليها ، ويتولى الترجمان ترجمة ردود المتهم عليها .

ويثبت بالمحضر أن المتهم يرد بانتظام عن كل اتهام حسب ما جاء في محضر استجوابه المكتوب ، معترفا بأنه زعيم المقاومة في برقة وبهذه الصفة فهو الفاعل والمحرض لجميع الجرائم التي اقترفت في أراضي المستعمرة خلال العقد الأخير من الزمن ، أي الفترة التي ظل خلالها الرئيس الفعلي للمقاومة .

وردا عن سؤال ، يجيب :

منذ عشر سنوات ، تقريبا ، وأنا رئيس المحافظية . ويثبت هنا أن المتهم ظل يرد عن كل سؤال محدد حول تهمة بعينها ، بقوله : (( لا فائدة من سؤالي عن وقائع منفردة ، وما أرتكب ضد إيطاليا والإيطاليين ، منذ عشر سنوات وحتى الآن ، كان بإرادتي وإذني ، عندما لم أشترك أنا نفسي في تلك الأفعال ذاتها )) .

وردا عن سؤال ، يجيب : (( كانت الغارات تنفذ أيضا بأمري وبعضها قمت بها أنا نفسي )) .

يعطي الرئيس الكلمة لوكيل النيابة : بعد أن تناول الكلمة ، أوجز مطلبه في أن تتكرم المحكمة ، بعد تأكيد إدانة المتهم بالجرائم المنسوبة إليه ، بإصدار حكم الإعدام عليه وما يترتب عليه من عواقب .

وينهي الدفاع ، بدوره مرافعته بطلب الرأفة بالمتهم . وبعدما أعطى المتهم الكلمة كآخر المتحدثين ، يعلن الرئيس قفل باب المناقشة ، وتنسحب هيئة المحكمة إلى حجرة المداولة لتحديد الحكم

عادت المحكمة بعد قليل إلى قاعة الجلسات ؛ لينطق الرئيس بصوت عال بالحكم بالإدانة ، بحضور جميع الأطراف المعنية . فيقوم الترجمان بترجمة منطوق الحكم .

أثبت تحريريا كل ما تقدم بهذا المحضر الذي وقع عليه : كاتب المحكمة العسكري .

الإمضاء : ادواردو ديه كريستوفانو ، الرئيس (المقدم الكاواليير أوميركو مانزولي) .

كاتب المحكمة العسكرية ، الإمضاء : ادواردوديه كريستوفاني (Edoardo De Cristofano) .

الرئيس : (المقدم الكاواليير أوميركو مانزوني)

الإمضاء : أومبيرتو مانزوني (Umberto Marinoni) .

- صورة طبق الأصل -

كاتب المحكمة العسكرية بالنيابة

التوقيع

الإعدام :

في صباح اليوم التالي للمحاكمة الأربعاء، 16 سبتمبر 931م، اتخذت جميع التدابيراللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران،

واحضر 20 ألف من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصاً من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.

واحضر الشيخ عمر المختار مكبل الأيدي، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر،

وبدأت الطائرات تحلق في الفضاء فوق المعتقلين بأزيز مجلجل حتى لا يتمكن عمر المختار من مخاطبتهم،

وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً سلم الشيخ إلي الجلاد، وكان وجهه يتهلل استبشاراً بالشهادة وكله ثبات وهدوء، فوضع حبل المشنقة في عنقه، وقيل عن بعض الناس الذين كان على مقربة منه انه كان يأذن في صوت خافت آذان الصلاة، والبعض قال انه تمتم بالآية الكريمة "يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية" ليجعلها مسك ختام حياته البطولية. وبعد دقائق صعدت روحه الطاهرة النقية إلي ربها تشكوأليه عنت الظالمين وجور المستعمرين.

وسبق إعدام الشيخ أوامر شديدة الطبيعة بتعذيب وضرب كل من يبدي الحزن أويظهر البكاء عند إعدام عمر المختار، فقد ضرب جربوع عبد الجليل ضرباً مبرحاً بسبب بكائه عند إعدام عمر المختار. ولكن علت أصوات الاحتجاج ولم تكبحها سياط الطليان، فصرخت فاطمة داروها العبارية وندبت فجيعة الوطن عندما على الشيخ شامخاً مشنوقاً، ووصفها الطليان "بالمرأة التي كسرت جدار الصمت".

[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le vendredi 12 décembre 2008 15:57

karim moj...............

karim  moj...............
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le vendredi 12 décembre 2008 08:41

karim achik

karim achik
2- مولاي موحند والقضية الأمازيغية:

من علامات عبقرية مولاي موحند أنه "جاء في زمن غير زمنه" وإدراكه لهذه الحقيقة وتأكيده عليها في أقواله... لقد استبق مولاي موحند مطالب الحركة الأمازيغية المغربية بحوالي قرن من الزمن، عندما درس الأمازيغية في مدارس مليلية بداية القرن العشرين كما أشار إليه "ميغيل مارتين" وأكده "د. محمد أوني"...

هذا لا يعني أن مولاي موحند كان يتبنى القضية الأمازيغية وفق مطالب الحركة الأمازيغية في نهاية القرن العشرين، بل يعني فقط أن تدريس الأمازيغية لم يكن طابو لدى ابن عبد الكريم ولم يكن يعتبره مساسا باللغة العربية ولا مقدمة للفتنة والتقسيم كما أصبح ينظر إليه مغاربة "اللطيف" وبعض مغاربة القرن الواحد والعشرين...

يعتبر مولاي موحند رمزا من رموز وقادة الشعب الأمازيغي الأساسيين في أدبيات الحركة الأمازيغية بعموم مكوناتها، وذلك باعتباره واحدا من أبرز المدافعين والمستلهمين للقيم الأمازيغية عبر التاريخ، خاصة قيمة المقاومة وعدم الخضوع وهي القيمة التي دفعت إيمازيغن أن يكونوا أول من بدأ وآخر من أنهى المقاومة ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني بالمغرب وبعموم شمال أفريقيا، في مقابل المهادنين من سكان المدن الذين تشبعوا بقيم الطاعة والخضوع التي تعد من أبرز قيم الثقافة العربية الإسلامية...

- عبقرية مولاي موحند وفرادته في التاريخ الأمازيغي الحديث والمعاصر،

- ثقافته الموسوعية واطلاعه على آخر المستجدات العالمية باعتباره أول صحفي ريفي وأمازيغي ومغربي،

- تأسيسه لأول جمهورية أمازيغية ديمقراطية في شمال إفريقيا،

- تطويره لأساليب جديدة في حرب العصابات التي أبدعها عبقري أمازيغي آخر في العصر القديم هو تاكفاريناس،

- تدريسه للأمازيغية في وقت جد جد مبكر،

- تأسيسه لجيش تحرير شمال أفريقيا،

- إعجابه بالتجربة العلمانية التركية في بواكيرها الأولى،

- إعلانه لموقفه الصريح الرافض لدستور الحسن الثاني الممنوح سنة 1962 باعتباره دستورا غير ديمقراطي،

هذه الملامح وغيرها، كلها جعلت مولاي موحند بطلا ورمزا أمازيغيا كبيرا علينا جميعا أن نستفيد من تجاربه وفكره وعبقريته، نحن الذين بقينا أيتاما في مأدبة لئام آخر الزمان...

3- مولاي موحند والديمقراطية:

عرف عن الشعب الأمازيغي عبر التاريخ، أن مؤسساته مؤسسات ديمقراطية، يشارك الجميع في بلورتها وتشكيلها، سواء في هياكل القبيلة الأمازيغية باعتبارها وحدة ومؤسسة سياسية –عكس القبيلة العربية التي تعتبر وحدة سلالية عرقية- أو في الاتحادات القبلية الكونفدرالية التي تعتبر مؤسسات سياسية أعلى درجة وأكثر أهمية...

على نفس المنوال –ولكن بدقة أكبر وأفق استراتيجي أوضح- نسج مولاي موحند بإتقان جمهورية الريف كاتحاد فدرالي بين قبائل الريف، لكل منها ممثليها في الجمعية الوطنية، التي تنتخب حكومة الجمهورية ورئيسها، وهي الجمعية التي سنت دستور الجمهورية وأقرته... هذا العمل الديمقراطي الذي أرسى أسسه محمد بن عبد الكريم الخطابي في زمن جمهورية الريف بداية القرن العشرين، واصل مولاي موحند الإيمان به إلى غاية آخر يوم في حياته، حيث كان أول من عبر في حينه عن موقف واضح ورافض للدستور الممنوح من طرف الحسن الثاني، ودعا إلى دستور ديمقراطي تضعه جمعية تأسيسية، يفصل السلط ويقر الحقوق الأساسية للمواطنين...

فيما يشبه الخلاصة:

رغم ما كتب عن مولاي موحند ورغم ما قيل عنه، فإنه ما زال لم يوفى حقه في الدراسة الموضوعية، باعتباره هرما أمازيغيا حقيقيا في مستواه الفكري والسياسي والعسكري، وهي الخصائص التي قلما اجتمعت في شخص واحد عبر التاريخ، غير أنها اجتمعت في مولاي موحند الذي كان بذلك شخصية القرن العشرين ومدرسة الثورة والقيم النبيلة...





* هذه فقط خواطر سنحت في ذكرى رحيل عبقري عظيم من عباقرة شمال أفريقيا الأمازيغي، لن تفي البطل حقه... هي فقط مساهمة بسيطة في أسبوع التدوين حول مولاي موحند الذي أقره اتحاد المدونين الأمازيغ...


[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le vendredi 12 décembre 2008 08:28

karim achik

karim achik
هل تعرف هذا الرجل؟
الأمير عبد الكريم الخطابي وتلازم المقاومة والنهضة



· من هو؟



هذا عبقري فذ من عباقرة الإسلام، عبقري سياسة وعبقري حرب وقبل ذلك كله هو عبقري نهضة حضارية اجتماعية نراها الهدف الرئيسي لمجتمعنا الحاضر. عرف معاصروه حقه ومنزلته ولكن الأجيال الجديدة تكاد تنساه وليس النسيان ما يستحقه لأن الأمم الحية لا تتخلى عن عظمائها الذين يقدمون لها القدوة والمثال لكي يسير على إثره كل فرد منها وينسج على منواله.

هو صنو الأمير عبد القادر الجزائري ونظيره في المغرب الأقصى وبالتحديد في شماله: منطقة الريف، وصفه الشاعر الشعبي المصري "بيرم التونسي" حين وفد إلى مصر منفياً بعد انتهاء حربه البطولية مع الاستعمارين الفرنسي والإسباني فأصاب وصفه حين قال مرحباً به:

"داخل علينا ضيف

صاحب مقام عالي

أعظم رجال السيف

في عصرنا الحالي

عارفينه يبقى مين؟

ياناس يا ناسيين؟

قولوا: صلاح الدين

واحد وده التالي!"

أشبه صلاح الدين حقاً في بطولته وعبقريته الحربية وفي عبقريته السياسية وأشبهه خصوصاً في عبقريته النهضوية كما يمكن القول فقد تمكن من تحويل مجتمعه الصغير المفكك والمتناحر إلى مجتمع متماسك استطاع أن يجابه بكفاءة مذهلة الحرب العدوانية التي شنتها عليه دولتان استعماريتان أكبر من بلده الصغير وأغنى وأقوى بما لا يقاس هما فرنسا وإسبانيا.

وهذه العبقريات تداخلت ولو تحدثنا الآن عن عبقريته الحربية قبل أن نتطرق إلى جوانبه العبقرية الأخرى فإننا نقول إن أوروبا شهدت له بأنه من العبقريات العسكرية الكبرى في العالم وهو الذي خاض حرباً ضروساً بأسلحة بسيطة لا تذكر ضد جيوش جرارة مسلحة بالعتاد المتطور الثقيل وتتفوق على جيش المتطوعين الذي قاده بالعدد أضعافاً مضاعفة وأوقع بهذه الجيوش التي قادها عشرات المارشالات والجنرالات وأنزل بها هزائم مخزية وأبادها مراراً وأسر من بقي منها من قادة وجنود واستطاع تحرير الريف وبناء دولته على المساحة الصغيرة المتاحة له وعوملت هذه الدولة معاملة الند للند وما خذله في النهاية إلا البنية الاجتماعية التي كانت سائدة في مناطق المغرب الأخرى والتي لم يكن يستطيع أن يغيرها كما غير هو البنية الاجتماعية في منطقته. خذلته تلك البنية الاجتماعية المنحلة، بنية "القابلية للاستعمار" أو "إنسان ما بعد الحضارة" أو "إنسان ما بعد الموحدين" على حد تعبير المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي رحمه الله.

قال في حربه كارلتون كون: إنها ملحمة وقال فيه فانستن شين: "إنه ظاهرة فريدة" وقال روبرت فورنو: "إن خططه الحربية تستحق الدراسة" وقد كانت الحرب التي قادها ضد الاحتلال الإسباني كارثة على إسبانيا قادتها إلى الفوضى وأعلن زعماء الدول الاستعمارية من أمثال لويد جورج و ليوطي و بيتان وبول بانليفيه أن حرب الريف هي التي شهدت سقوط الاستعمار الأوروبي وأنها هي بداية نهاية أحلام الاستعمار. ومن الغريب حقاً أن تدرس ناشئتنا "البطولات الحربية الخارقة" لمغامرين عدوانيين من أمثال نابليون بونابرت وأن تجهل هذه العبقرية التي تمتعت في الوقت نفسه بابتكار استراتيجي وتكتيكي لم يسبق له مثيل وبمستوى أخلاقي رفيع كان قادة الاحتلال والتوسع الاستعماريون بعيدون عنه بعد السماء عن الأرض، كل هذا وهو لم يتلق دراسة حربية منظمة قط بل عمل قبل ذلك قاضياً للقضاة!



· عالم من عائلة علماء وحلقة في سلسلة العلماء العاملين



ولد محمد عبد الكريم الخطابي في منطقة الريف وهي منطقة الشريط الساحلي الشمالي للمغرب الأقصى- المملكة المغربية اليوم- و "الريف" هو سلسلة جبال بهذا الاسم وتقسم إلى ثلاثة أقسام الريف الشرقي والريف الأوسط والريف الغربي وولد محمد في عائلة اشتهرت بالعلم وتولى أبوه القضاء ثم الإمارة وكان علاوة على دوره الاجتماعي والسياسي الخطير فقيهاً مجدداً وقد تتلمذ محمد على أبيه فتعلم اللغة العربية وأصول الدين والتاريخ وأدب العرب حتى لقد كان يحفظ أكثر من ستة عشر ألف بيت من الشعر العربي.

وعلمه علاوة على ذلك الفروسية والرماية.(1)

وكان أخوه عالماً كبيراً في الدين والفلك والرياضيات ومدرساً في جامعة القرويين.

محمد عبد الكريم الخطابي إذاً كان واحداً في هذه السلسلة العظيمة من العلماء العاملين التي امتدت عبر أسماء نذكر منها عز الدين القسام و عمر المختار و عبد القادر الجزائري وابن تيمية و العز بن عبد السلام وهذه الأسماء التي ذكرناها واخترناها من عصور التراجع الحضاري قصداً فدور العلماء في عصور الأوج الحضاري يمكن للأعمى أن يراه (وراجعوا تاريخ الأئمة وتلاميذهم إن شئتم) هي غيض من فيض وتبرهن على سخف الزعم بأن علماء الإسلام كانوا مجرد أتباع للسلطة وأبواق لها وعون على مجتمعها. لقد كان العلماء الكبار عبر التاريخ هم المعبرون عن مجتمعهم والناطقون النزيهون باسمه ومن هذا الدور اكتسبوا محبة الناس فأطاعوا توجيهاتهم واحترام ومهابة الدولة فكانت لا تجرؤ على الاصطدام بهم وتضطر للحد من نزوعها للاستبداد والظلم خوفاً منهم ومن نفوذهم المستحق عند العامة.



· نبذة عن تاريخ الريف والمغرب قبل حرب الريف



بعد بلوغ المنحدر الحضاري عندنا ذروته سقطت الأندلس نهائياً عام 1492 للميلاد كما هو معلوم(2) وترافقت مع سقوطها وسبقته هجمات لم تتوقف للإسبان والبرتغاليين ثم البريطانيين والفرنسيين على سواحل المغرب الكبير.

سقطت "سبتة" في أيدي البرتغاليين عام 1415 م ثم انتزعها منهم الإسبان عام 1688م ولم تزل في أيديهم منذ ذلك الحين واحتل الإسبان "مليلية" عام 1494م التي لم تزل أيضاً في أيديهم هي وجزيرة "النكور" و"الجزر الجعفرية" .

واستولى البرتغاليون على طنجة ثم أهدوها كهدية زفاف إلى ملك بريطانيا عام 1660م وعادت بريطانيا و انسحبت منها بعد ذلك بربع قرن ثم احتل الإسبان تطوان عام 1860م وبحسابات القوى الاستعمارية وتوازناتها قررت بريطانيا "إعطاء" منطقة الريف لإسبانيا وبهذا تغاضت الأخيرة عن مطالبتها بجبل طارق الذي احتلته الإنجليز عام 1704.وبريطانيا كانت تستخدم إسبانيا للتوازن مع النفوذ الفرنسي وللحيلولة دون وقوع مضيق جبل طارق تحت تهديد فرنسا إن هي استولت على الريف المتاخم لهذا المضيق. وقد قال وزير خارجية بريطانيا سولسبري "إن أي تقدم لفرنسا في المغرب يعتبر عملاً عدائياً، وإذا تحتم تقسيم المغرب فستكون شهية بريطانيا مفتوحة"(3)

وأسفرت المفاوضات بين فرنسا وبريطانيا عن عقد اتفاق سري بينهما عام 1904 سمي فيما بعد "الاتفاق الودي" تتنازل فيها فرنسا عن "حقوقها" في مصر وتوافق على منح الريف لإسبانيا وعلى تدويل طنجة مقابل تنازل بريطانيا لفرنسا عن "حقوقها" في المغرب الأقصى.

كانت إسبانيا آنذاك قد تقلصت إمبراطوريتها القديمة بعد فقدانها لأمريكا اللاتينية و الفلبين ورأت في الريف نوعاً من التعويض لأناسها و جيشها ونوعاً من الثأر التاريخي من بلاد أنجبت طارق بن زياد (وأصله من الريف!)

وكان لإسبانيا قاعدتان قديمتان في بلاد الريف: سبتة في الريف الغربي ومليلية في الريف الشرقي وظلت قروناً عاجزة عن احتلال أي شبر إضافي من الريف بسبب شراسة أهله في الدفاع عنه بل احتفاظها بالمدينتين كان كثيراً ما يتم تهديده وتحول ظروف عرضية دون استعادة أهل الريف للمدينتين.

وقعت فرنسا معاهدة الحماية مع سلطان المغرب عبد الحفيظ عام 1912 وأما إسبانيا فصار عليها بعد أن حازت على "الشرعية" من قبل الاستعمارين الفرنسي والإنجليزي عام 1904كقوة من "حقها" احتلال الريف أن تنفذ هذا الاحتلال عملياً ولم يكن هذا سهلاً مع شعب محارب كشعب الريف وللوصول إلى هذا الهدف استغلت الثغرات الاجتماعية والمطامح الأنانية لرجلين في الريف الغربي والريف الشرقي.

في الريف الشرقي سقط عميل إسبانيا –وكان رجلاً مغامراً اسمه جيلالي الزرهوني سمى نفسه سلطاناً – في الحرب مع رجال الريف الأوسط بزعامة والد الخطابي الأمير عبد الكريم ثم قاد في الريف الشرقي سيدي محمد أمزيان حرباً شعواء على الإسبان خسر الإسبان خلالها خمسين ألف جندي وقتل لهم جنرالان هما بينتوس وفيكاريو إلا أنه قتل بغدر أحد عملاء إسبانيا. وفي الريف الغربي كان المغامر الآخر الذي تلاعبت به القوى الاستعمارية ويسمى "سلطان الجبل" وقد تمكن الريفيون من إنهاء البؤرة التي كان يتحصن فيها عام 1925.

وبالنتيجة وقع الريفان الغربي والشرقي تحت الاحتلال الإسباني وبقي الريف الأوسط وحده بقيادة والد محمد –الأمير عبد الكريم الخطابي مستقلاً وقد جربت إسبانيا أن تستعمل طرق التآمر –مع الزعامات الطموحة القابلة للشراء- وطرق الدبلوماسية والمهادنة ومحاولة التقارب الودي مع الزعامات الصلبة وعلى رأس هؤلاء الأمير عبد الكريم لهذا عرضت إسبانيا عليه أن توظف ابنه محمداً في مليلية في شؤون الأهالي المغاربة الموجودين في هذه المدينة المحتلة منذ قرون.



· عمل الأمير محمد عبد الكريم الخطابي في مليلية



وبحسب رواية صديق محمد الخطابي ورفيقه في منفاه في مصر والذي كان يكتب ما يمليه عليه من ذكريات وهو "محمد سلام أمزيان" فإن موافقة الأمير عبد الكريم على عمل ابنه موظفاً في مليلية كان خطوة تهديئية لاستكمال استعدادات الريف لمعركة التحرير ولمراقبة الإسبان عن كثب ومراقبة عملائهم وفوق هذا كان ذلك الفقيه المستنير ذو التوجه الإصلاحي يريد أن يحتك ابنه بالعلوم العصرية واللغات الأجنبية(4)

وهكذا تدرج في أعمال تعليمية وإدارية لم يكن القصد منها أصلاً تلقي أجر مادي إلى أن وصل إلى منصب "قاضي القضاة" منذ عام 1914م.

وفي أثناء هذه الفترة اعتقل عام 1915. ومع ذلك لم يفقد منصب قاضي القضاة!

وفي هذه السنين اطلع عن كثب بآن واحد على وضع الأهالي وعلاقتهم مع الاحتلال الإسباني وعلى وضع المجتمع الإسباني كما ينعكس في ذلك الجزء منه المقيم في مليلية وقد كان آنذاك مجتمعاً متناقضاً مضطرباً وقد زادت حرب الريف لاحقاً في اضطرابه الذي انتهى بالحرب الأهلية في النصف الثاني من ثلاثينات القرن العشرين، وكثير من الجنرالات الذين حاربوه لاحقاً كانوا من معارفه وتلاميذه في دروس اللغة العربية التي كان يلقيها عليهم!

وفي اعتقادي أن هذه التجربة الواسعة في وسط المجتمعين المستعمر (بكسر الميم الثانية) والمستعمر (بفتح الميم الثانية) جعلته على اطلاع بآن واحد على عيوب أعداء المستقبل وعلى عيوب مجتمعه التي عليه أن يحاول إزالتها قبل البدء بمعركة التحرير.

وفي عام 1915 اعتقله الإسبان متذرعين بعمله في السياسة مما يتناقض مع منصبه الرسمي كقاضي قضاة و بأوراق ضبطت في بيته فيها منشورات الخليفة العثماني التي تدعو المغاربة لمحاربة الفرنسيين ورسائل من إسبان يعارضون حكومتهم ورسائل منه هو إلى الوطنيين الريفيين ووثائق عن نشاط عبد المالك حفيد الأمير عبد القادر الجزائري بالتنسيق مع الألمان ضد الفرنسيين وكل هذه الوثائق مما لا يتسامح به الإسبان. ولكن السبب الحقيقي للاعتقال كان الضغط على والده الذي كان مستمراً في مقاومة محاولة الإسبان بسط الحماية على الريف الأوسط وهذا بعد أن يئسوا من إغرائه بما كان خليقاً بإغراء غيره فقد عرضوا عليه أن يعينوه حاكماً عاماً للريف ونائباً للسلطان ووزيراً في حكومة تطوان ورفض هذه العروض كلها التي رأيناها أوقعت بالكثير من "ثوار" عصرنا هذا!. وهذا الوالد أفهم الإسبان أنه يعد ابنه مجرد جندي في معركة الحرية وأنه لن يتنازل مهما فعلوا بابنه وإزاء هذا الموقف الصلب اضطر الإسبان لإطلاق سراح محمد الذي كان في هذه الأثناء قد كاد يفقد ساقه في محاولة مخفقة للهرب من السجن الذي كان محتجزاً فيه. وأطبق الإسبان على الريف من جانبيه الشرقي والغربي وسقط الأمير عبد الكريم، والد محمد، عام 1920م صريعا في المعركة مع الإسبان. لم يقتل في حرب صريحة بل دس له أحد ضعاف النفوس المرتشين السم بأمر من الإسبان وذلك حين كان يتخذ من منزل العميل والد القاتل، وهو كبير قبيلة "تفرسيت" مقراً له، وانتهت بذلك حياة هذا العالم العامل الذي طالما نازل الفرنسيين والإسبان وكان له تأثير كبير واحترام في أهل بلده سرعان ما انتقل إلى ابنه محمد الذي كان الخلف عن جدارة لهذا السلف الكبير.



· انطلاق حرب التحرير من ثورة نهضوية



هاهو ذا مجتمع الريف الصغير وقد أطبقت عليه القوى المعادية من كل حدب فلا بد للمجتمع والحالة هذه من أن يشعر بالخطر الداهم على وجوده- خطر ليس على وجوده الجسدي فقط كمجموعة من الأناس الأحياء يتهددهم الفناء بل أهم من ذلك من منظور تاريخي: إنه الخطر على كيانه المستقل كبنية اجتماعية دينية حضارية لها تاريخها الخاص وآلياتها الخاصة في الحياة إلى جانب المجتمعات الأخرى. وبصورة خاصة كان الخطر يتهدد القيم التي تنبني عليها الكينونة المستقلة لهذا المجتمع. وهذا الشعور الداهم بالخطر حين يجتاح أفراد مجتمع ما يمكن أن يكون بداية مباركة لنهضة شاملة واستيقاظ من سبات عميق فهو "التحدي" الذي يستثير "الاستجابة" التي تبني حضارة جديدة إذا استعملنا تعابير المؤرخ الكبير أرنولد توينبي.

ولكن هذا الشعور بالخطر لا يكفي لوحده وفي رأيي أن للنهضة أربعة شروط لا بد من تحقيقها:

أولاً: شعور المجتمع بالخطر شعوراً حقيقياً عميقاً يتغلغل في كل فرد فيه.

ثانياً: وجود طليعة فاعلة واعية ذات إرادة تعي التحدي وتكون على مستواه.

ثالثاً: وجود تصور وخطة للرد على التحدي.

رابعاً: أن يتغلغل في النفسية الاجتماعية القرار الإرادي الواعي بالتغيير والتخلي عن العادات السلبية من تواكل وأنانية وكسل وتحاسد وتباغض داخلي.

وفي الحقيقة توفرت هذه الشروط الأربعة في مجتمع الريف في تلك اللحظة الحاسمة من عام 1920 م.



· وضع مجتمع الريف قبل النهضة الخطابية



ولنتحدث قليلاً عن الوضع الاجتماعي الذي جاءت هذه النهضة لتغيره:

كان مجتمع المغرب في الريف وغيره مجتمعاً منقسماً على نفسه على أسس قبلية بل حتى القبيلة كانت تنقسم على نفسها وقد سادت الصراعات العنيفة بين الجماعات والأفراد وانعدم الأمن وظهرت عادة الثأر التي تفرعت عن عادة الاجتراء على القتل بدافع الاعتقاد الغريزي شبه البدائي بأن ممارسة القوة ضد الأخوة في الوطن والبلد تعبيرعن الشجاعة والرجولة! وكانت النتيجة انحلالاً اجتماعياً تبعه تدهور اقتصادي وصل إلى حد المجاعة وهو بديهي في حالات فقدان الأمن وقد قادت هذه الأوضاع المتدهورة إلى هجرة جماعات مغربية كثيرة إلى خارج المغرب ومنها ما هاجر إلى المشرق وإلى أقطار شمال أفريقيا.(5)



· نقطة البدء



بعد مقتل والده بدأ محمد فوراً عمله الإصلاحي الممهد للعمل المقاوم للاحتلال والمحرر للبلد.

والحدث الذي يجدر ذكره هنا لنعلم أنه كان بعيداً كل البعد عن الأهداف الشخصية في عمله حتى ولو كان من هذه الأهداف الانتقام من قتلة أبيه هو بدؤه بالعفو عن القتلة ولم يقتص منهم! وكرس نفسه لتوطيد الوحدة الاجتماعية بادئاً بتلك العادة الذميمة التي كانت تنخر الجذع الاجتماعي كالسوس: عادة الثأر.

ويلفت انتباهنا هنا ما يلفت انتباه المتابع لسيرة حياته كلها: إنه لم يكن ينظر إلى سلوكه مع مجتمعه ومع جيشه ورفاق دربه بالمنظور النفعي المبتذل الذي لا ينظر لأكثر من النتائج المباشرة للفعل. لقد كان سلوكه أساساً من النوع التربوي ويقوم على مبدأ جوهري هو أن يكون المربي قدوة للتلاميذ ولن يكون هذا أبداً إن لم ير التلاميذ بأم أعينهم أن المعلم هو أول من ينفذ السلوكيات التي يطالبهم بها وأنه على درجة من النزاهة والزهد في متع الحياة الدنيا بحيث أنه لا يمكن إلا أن يكون مقتنعاً ومؤمناً بعمق بما يقول إذ انتفت عنه كل الأغراض الأنانية وفي هذه الحالة فقط يكون المربي فاعلاً كنموذج يقتدى به وإننا لنرى في "ثورات" أخرى كيف أفسد القادة جنودهم لأنهم قدموا أسوأ مثل في الجشع المادي والتهالك على لذائذ الحياة ما حل منها وما حرم! لقد كان الخطابي لا يعظ أصحابه بشيء حتى يكون قد فعله ولا يطلب منهم الزهد حتى يبرهن لهم هو بنفسه أنه أول الزاهدين ولا يطلب منهم الصبر والثبات في المعركة إلا وهو في الخندق الأول واقف في جفن الردى وهو نائم!

اجتمعت فيه إذاً عناصر القائد المقاوم كلها: النزاهة والموهبة الاستراتيجية والتكتيكية والقدرة على القيادة وعلى تغيير سلوك المجتمع بالاتجاه النهضوي المطلوب لا عبر الإكراه بل بالاقتداء بشخصية قوية مؤمنة واثقة بالله وبشعبها!

وبهذه الشخصية سلم المجتمع الريفي له مقاليد القيادة بلا منازع وهو الذي لم يخضع لزعامة واحدة عبر تاريخه الطويل!

وحاول استمالة مشايخ الطرق الصوفية للمشاركة في الكفاح فلم يفلح وكان كثير من هؤلاء على درجة مريعة من انحطاط الوعي بل كان كثير منهم عوناً للاستعمار وقام بأدوار سلبية ضد المقاومة كما رأينا في الدور السلبي للطريقة التيجانية في الجزائر حيال الأمير عبد القادر.

وبعد أن يئس من هؤلاء المشايخ ذهب إلى الموضع الذي يجتمع فيه رجال قبائل الريف كل أسبوع فتحدث إليهم حديثاً يرويه إلى الأستاذ محمد سلام أمزيان كما يلي: "إن وحدة الصف قوة لها وزنها في كل مجال. الوحدة الوطنية سياج للوطن، ودرع يقي المقدسات الوطنية (...) إذا كان أعداء وطننا يتحدون على الباطل فنحن أولى بهذا الاتحاد لندافع عن الحق. إذا كنا نعيش في الأوهام مستسلمين للدعة والتواكل، فإننا الآن في موقع المواجهة، شئنا أم أبينا. لا عودة إلى الماضي الشائن ولا رجوع إلى حياة الأحلام. الدين والوطن والغيرة والكرامة والحرية وكل القيم تنادينا الآن وتدعونا إلى العمل الرجولي. وإلا فلا حياة ولا وجود. إن القادمين لا يعرفون قيمة للدين- أي دين- ولا للحرمات. إنهم جاؤوا للاستغلال والنهب والعبث والتحكم فعلينا أن نقف ضدهم ثابتين متحدين و إلا فهذه القشور من العقيدة والوطنية التي لا تزالون تحتفظون بها ستتلاشى بما جاء معهم من جديد في عالم الانحلال (...) فإذا كنتم تريدون حياة الإنسان العاقل لا حياة الحيوان الأعجم فاستعدوا وإلا فليس لكم أي عزاء".

فسألوه: وبماذا سنستعد وحالنا كما ترى؟

فأجاب: بنبذ الماضي كله أولاً، وبالعقيدة ثانياً، وبالنظام والخطة ثالثاً وبعد ذلك يأتي النصر بإذن الله. (6)

ونلاحظ في هذا التصور الأولي الذي قدمه الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي أنه في الحقيقة قدم لهم شروطاً نراها كما قلنا قبل قليل هي اللازمة للنهضة الناجحة القادرة على تحقيق المقاومة الكفؤة التي تحرر المجتمع بآن واحد من كل من "القابلية للاستعمار" والاستعمار نفسه.

فهو ذكر الحاضرين بالخطر الداهم على مجتمعهم وقيمه وجسم هذا الخطر لهم فرب مجتمع غافل عن الخطر المميت القريب الذي يتهدده غفلة العصفور عن الصياد الذي يصوب له البندقية.

ثم إنه طالبهم بقرار إرادي بتغيير أنفسهم و "نبذ الماضي كله" وهذا القرار يمكن أن يبقى حبراً على ورق لو لم يكن يسري في المجتمع ذلك الخوف الهائل المبارك على الوجود! وسميته "مباركاً" لأنه قد يكون الهدية الإلهية التي كان المجتمع يحتاجها لينهض من سباته قبل أن يموت نائماً!

ثم إنه طرح لهم تصوره لخطة العمل: البديل وهو الوحدة الوطنية والنهوض من النوم والبدء بالعمل ولا يكون ذلك إلا إذا استثيرت روح المسؤولية في كل فرد فأحس كأن حياة المجموع أو موته متوقفة على نشاطه هو بالذات! وبهذا يستأصل من جذوره داء التواكل الذي حطم مجتمعنا وجعل الفرد منا يضع المسؤولية على غيره: على الدولة أو القدر وكأن السماء يمكن أن تمطر ذهباً وفضة وكأن العمل ليس بحد ذاته جزءاً من قدر الله!

ولقد كان الشرط الرابع للنهضة الناجحة موجوداً أيضاً ألا وهو وجود القيادة الكفؤة الواعية النزيهة وقد كان محمد الخطابي رمز هذه القيادة ولكنه بالتأكيد لم يكن القائد الوحيد إذ شبه الشيء منجذب إليه ومن دعا إلى الحق تبعه أهل الحق وأقبلوا إليه من كل مكان تماماً كما أن الفاسد يجذب إليه الفاسدين! ولا شك أن القائد حين يسمو إلى ذرى أخلاقية رفيعة فإن المجتمع بأسره يسمو معه وهذا ما حصل بالفعل بما يشبه المعجزة خلال سبعة أشهر.

المجتمع الذي كان مشهوراً بالنزاعات الدامية التي لا تنتهي بين أفراده والذي كان الشعور بانعدام الأمن يغزو كل فرد منه وكان مبدأ الثأر الجاهلي يمزق فيه ما دعاه مالك بن نبي "شبكة العلاقات الاجتماعية" شر ممزق تحول إلى مجتمع متماسك انتهت منه عادة الثأر كأنها لم تكن هكذا صرنا نرى مثلاً في خندق واحد قائدين من قادة حرب التحرير: "محمد أحمد" و "عبد الكريم الحتاش" وقد كان والد عبد الكريم قتل والد محمد وعاد هذا وقتل القاتل ولقد كانا فيما مضى يتحينان الفرص للفتك ببعضهما أما بعد نشوء المجتمع الجديد فقد اجتمعا في المعركة في خندق واحد (ونعني خندقاً حقيقياً لا مجازياً إذ اشتهر الريفيون بتكتيك الخنادق الذي علمهم إياه الخطابي) أخوين يحمي كل منهما الآخر ويعمل لنجاته. كان الخطابي قد نفذ المبدأ الذي قام على أساسه المجتمع الإسلامي الأول في المدينة: مبدأ المؤاخاة.



· إصلاح العقيدة والعبقرية التربوية للخطابي



كان الخطابي يرى أن إصلاح العقيدة شرط في النهضة.

و لا شك أن فساد العقيدة هو بآن واحد سبب ونتيجة للوضع الاجتماعي الحضاري المنحط وحين طالب الخطابي مجتمعه بنبذ الماضي فقد كان في الحقيقة يريد منه أن ينبذ في جملة ما ينبذه من هذا الماضي المفاهيم العقدية الفاسدة التي كانت تشجع الخمول والتواكل وترى في الدين مجرد عبادات فردية لا انعكاس لها في ميدان التعامل الاجتماعي وكما قال مؤرخه ومرافقه محمد سلام أمزيان كان الخطابي يشرح للناس بأسلوب مبسط "أصول الدين والشريعة بأنها معاملة وأمانة ونظافة ونظام وسلوك و أخلاق ومبادئ وشجاعة وكرم وعلم وبناء وعمران ورسالة في الحياة ووحدة وإخاء وتسامح ومحبة ورحمة ووطنية" والمقاومة الوطنية للمحتلين، وأتمنى من القارئ العزيز أن يتأمل في هذه النقطة، هي أساساً دفاع عن هذه القيم إذ المجتمع الحر لا يدافع عن نفسه ووجوده المادي فحسب بل هو يدافع قبل ذلك عن قيمه الإنسانية الرفيعة.(7)

وينتج من ذلك أن حرب المقاومين هي حرب أخلاقية لا تستعمل مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" الذي يسير عليه المستعمر الذي لا تحرك حروبه أصلاً إلا المصالح الأنانية الدنيئة التي لا تأبه بأية أخلاق ولا تمتنع عن ارتكاب أية جرائم. وإذا كانت المقاومة هي مقاومة قيم فإنها تناقض نفسها إذا اتبعت أساليب المستعمر اللاأخلاقية نفسها. ولعمري إن الإنسان ليعتصره الألم حين يرى في أيامنا هذه من لا يرى مانعاً في قتل الأبرياء من مواطني الغرب مثلاً وخصوصاً مواطني أمريكا بدعوى أن أمريكا لا تتردد في قتل الأبرياء! وبهذا يضع هؤلاء أنفسهم في نفس الموقع اللاأخلاقي للخصم. لسنا مستعمرين ونحن نرفض أن نتبنى أخلاق الاستعمار حتى بمنطق الرد على الشر بالشر! إننا حملة بديل أخلاقي للعالم وكيف نكون بديلاً أخلاقياً إن كنا نبرر لأنفسنا استعمال الوسائل اللاأخلاقية؟.

وقد استطاع الخطابي أن ينشر روح النشاط في مجتمعه فحتى النشاط الزراعي الذي كان متوقفاً بسبب انعدام الأمن وسيادة روح التواكل استطاع أن يحث شعبه على الاهتمام به مبدياً وعياً بيئياً مبكراً: "الزراعة تغنيكم عن المواد الغذائية التي تستوردونها منهم، والشجرة المثمرة تغنيكم عن فاكهتهم وزيتهم، والمحافظة على الغابات تعيد إليكم المطر ليسقي الزرع والشجر. كل من يزرع شجرة ويعتني بها يعتبر مقاتلاً شجاعاً ووطنياً غيوراً، وكل من قطع غابة يعتبر خائناً للوطن وعدواً لشعبه وأولاده"(8)

وباختصار إذا نظرنا بتدقيق فسنجد أن الخطابي كقائد كان مقتدياً بنموذج القائد الأول للإسلام صلى الله عليه وسلم الذي كان أيضاً في آن واحد سياسياً ومربياً وقائداً حربياً ولقد كان المجتمع الريفي في عهد "جمهورية الريف" القصير مقتدياً أيضاً بنموذج المجتمع الإسلامي الأول في المدينة.

ويصف مؤرخ الخطابي ومرافقه في المنفى وابن المجتمع الريفي الأستاذ محمد سلام أمزيان التحول الذي جرى للمجتمع قبيل البدء بالحرب الدفاعية ضد الإسبان والفرنسيين قائلاً:

"هكذا تغيرت معالم الحياة من أساسها بصورة تدعو إلى إكبار هذا الرجل المصلح. فلقد استجاب الناس للدعوة إلى دروس وعظه وإرشاده وتربيته وتثقيفه وتعليمه. سرعان ما بدت لهم ظواهر المحبة والفضيلة والسلام وأخذوا يتبادلون الثقة والحديث في مختلف الشؤون وكأنهم أفراد أسرة مترابطة. ويسيرون في مواكب تجمع العدو بعدوه والغريم بغريمه وكأن شيئاً لم يكن بينهم أبداً. ويروحون ويغدون بسلاحهم على أكتافهم وليس بأيديهم لاقتناص الفريسة. وإذا اجتمعوا في مكان واحد يضعون سلاحهم في ناحية مجتمعاً دون خوف لأن الأيدي التي كانت دائماً تحمل البندقية لتصويبها إلى الهدف أصبحت تتصافح باحترام متبادل وفي ثقة بالأخوة الاجتماعية. إنه مجتمع جديد حقاً في كل مظاهر حياته السياسية والاقتصادية، فلا لصوصية ولا نهب ولا سلب، سلام دائم، وأمن شامل، وحب كامل، ولا أنانية ولا عنصرية ولا فوضى، إنه مجتمع سليم من عوامل التحلل والانحلال والضعف والاستسلام. مجتمع يؤمن بالتعاون للصالح العام. وفيه إحساس بضخامة المسؤولية" (9)

وبهذا المجتمع دخل الخطابي حربه ضد قوى عاتية مسجلاً في الصراع ضدها انتصارات مذهلة جعلت مؤرخي الغرب لا يذكرونها إلا مسبوقة بعبارات من نوع "ليس هذا أسطورة ولكنه حقيقة" (10)



· إعلان "جمهورية الريف" وحرب التحرير



سقط الأمير عبد الكريم والد محمد كما ذكرنا في "تفرسيت" وهو يحارب الإسبان بقيادة الجنرال سلفستري قائد الإسبان في منطقة مليلية.

وفي هذا الوقت أكمل الإسبان احتلال الريف الشرقي بقيادة سلفستري واحتلوا معظم الريف الغربي بقيادة الجنرال برنجير وبهذا سقط أكثر من تسعين بالمائة من الريف تحت الاحتلال وظلت بلاد الريف الأوسط في وضع معنوي سيء يعيث بها عملاء الإسبان فساداً ً وكان سقوطها مسألة وقت.

ويلفت انتباهنا في محمد أنه ما كان بحال ينصاع للتوازن الظاهري للقوى بل كان يرى القوة الكامنة في مجتمعه إن استثيرت وهذا ما نلاحظه بسهولة إن علمنا أنه في هذا الوضع الذي يثير اليأس في أكثر القلوب تفاؤلاً بعث إليه الجنرالان سلفستري وبرنجير يعرضان عليه العودة إلى منصبه فأبلغهما أنه يقبل العودة بشرطين: الانسحاب التام من الريف والاعتراف باستقلاله!

ولم يضع عبد الكريم وقته ووقت شعبه في مفاوضات خائبة تبدد الجهود وتحطم ما تبقى من الروح المعنوية بل انصرف إلى العمل الفوري فدعا إلى اجتماع كان عدد حضوره خمسة عشر رجلاًًً ومع هؤلاء أقام "معسكراً للتجمع الوطني" وتوافد إليه في هذا المعسكر نحو من ثلاثمائة من أعيان الريف وهناك أقروا بعد اجتماعات متواصلة مشروعاً من ست نقاط:

1-إعلان الريف دولة مستقلة باسم الجمهورية الريفية.

2-تشكيل حكومة دستورية.

3-تشكيل جمعية وطنية منتخبة.

4-تشكيل هيئة عليا تكون قيادة جماعية للتوجيه والتنظيم والدفاع.

5-إيجاد ميثاق وطني للشعب المغربي.

6-إعداد الشعب لتحرير المناطق المحتلة وعدم الاعتراف بمعاهدة الحماية.

أقرت هذه البنود في 15 ديسمبر 1920م والذي يبدو أن إعلان "الجمهورية الريفية" لم يكن في الحقيقة خطوة انفصالية بل كان خطوة تكتيكية تهدف إلى تحييد فرنسا بإشعارها أن المقاومة موجهة للإسبان حصراً وتهدف أيضاً إلى عدم إحراج العرش المغربي وقد تهدف ضمناً إلى الحيلولة دون تدخل هذا العرش في الحرب وآنذاك ما كان هذا التدخل إلا ليكون سلبياً إذا راجعنا ما كان عليه وضع الحكومة المركزية في المغرب من ضعف وتردد بعد توقيع معاهدة الحماية ووقوع المغرب تحت الاحتلال الفرنسي الواقعي.

والذي قسم المغرب في الواقع إلى قسمين لم يكن هو الخطابي بل كان الاستعمار الذي فعل هناك ما فعله في بقية أرجاء العالم المستعمر ولا سيما العالم الإسلامي والعربي على نحو أخص. فالريف سموه "الريف الإسباني" وقد وجد الخطابي نفسه إزاء وضع إقليمي هو أمر واقع ولكن محاولة تحييد فرنسا لم تنجح وما كان لها أن تنجح فما كان الاستعمار ليرضى أن يدحر استعمار آخر على تخومه.

على أن إعلان "جمهورية الريف" ترافق مع بناء جهاز منظم سياسياً وعسكرياً و له علاقة وطيدة بالبنية الاجتماعية للمنطقة الريفية وعلى أساس هذه البنية التي وصفنا في الفقرة السابقة كيف استعادت عافيتها بدأ الخطابي حرب التحرير.

بعد الإعلان السابق ذي النقاط الست بستة أشهر وجهت "الهيئة العليا" الريفية إلى الإسبان إخطاراً بالانسحاب من البلاد المحتلة وعرضاً عليهم بالتفاهم في موضوع المصالح الإسبانية في الريف مع ملاحظة مرفقة قدمت للإسبان تقول إن هذا العرض سيلغى إذا رفضته إسبانيا ولن يقبل في المستقبل حتى لو عادت إسبانيا فقبلته!

وبلغت هذه العروض إلى الجنرال سلفستري فرفضها بعجرفة قائلاً: إن إسبانيا لها من القوة ما يمكنها من الذهاب إلى حيث تشاء ولقد صممت على دخول بني ورياغل (قبيلة الخطابي.م) وإخضاعهم. سأظل على صهوة جوادي مدة شهر حتى أسقيه من ينبوع أغادير وأنظف حذائي في بني ورياغل عروس الريف وهاأنا ذا ذاهب بجوادي لأشرب الشاي المنعنع في أغادير أراد عبد الكريم أم لم يرد جميع العبد الكريميين في العالم"!

هذا الجنرال المجرب المغرور ذهب بعد ذلك بالفعل إلى أغادير ولكنه لم يعد ولم يشرب الشاي فقد أبيد جيشه وقتل هو في المعركة في قرية "أنوال" التي أذهلت العالم بأسره وبرهن فيها عبد الكريم أنه من أكبر رجال الحرب في تاريخ العسكرية البشرية فقد تمكن من استثمار كل شيء من التخطيط للمعركة والدخول فيها بفعالية بعدد رجاله القليل وعدتهم التي لا تذكر إزاء الخصم واستغل أيضاًً معرفته بنفسية الخصم ليقوده إلى سلسلة من الخطوات الخاطئة وليس غرضنا في هذا المقال القصير الوصف التفصيلي لوقائع حرب الريف ولكننا نكتفي بأن نقول أن ملك إسبانيا ألفونسو الثالث عشر حين وصلته أخبار الهزيمة الفادحة التي أسفرت عن خمسة وعشرين ألف قتيل إسباني وألفي مفقود وتسعمائة أسير قال: لقد سقط عرشي! وبالفعل لقد سقط بعد قليل.

أما السياسي البريطاني الشهير لويد جورج فقال: "في أنوال سقط الاستعمار الأوروبي"

منذ البداية وإلى النهاية لم يكن الخطابي رجلاً عنصرياً او ينظر إلى العدو نظرته إلى بهائم لا تستحق الحياة كما كانت نظرة الاستعمار إلى الشعوب التي احتل بلادها فقد كان بكل صدق يأسف للشباب الإسباني الذي قادته حكومته إلى الذبح في الحرب الاستعمارية ولقد سجلت معاملة الخطابي لأسراه من جنرالات الأعداء وجنودهم آيات من الإنسانية تعيدنا إلى إنسانية صلاح الدين مع أسرى الصليبيين وما كان الخطابي ليسمح بالإجهاز على جريح رغم أن خصومه ما كانوا ليتورعون عن الغدر بالرسل الذين كان يرسلهم إليهم.

وبعد هذه الهزيمة سادت الاضطرابات في إسبانيا وتساقطت الحكومات وزادت المطالبات في صفوف الشعب الإسباني بالانسحاب من الريف وفي عام 1923م قام المارشال بريمودي ريفيرا بانقلاب عسكري أعلنت على أثره الأحكام العرفية وألغيت الحريات العامة وتحول النظام إلى نظام ديكتاتوري عسكري. وجاء الديكتاتور بنفسه إلى الريف محاولاً في البداية أن يتفاوض مع الأمير الخطابي ولكن الضباط عارضوه فاضطر إلى أن يقود الجيش بنفسه في معركة دامت مائة وعشرين يوماً مع الأمير محمد وانتهت بهزيمة مدوية فاقت سابقتها وسقط فيها خمسون ألف جندي إسباني وكتبت جريدة الماتان الفرنسية نقلاً عن مراسلها الميداني: جثث الإسبان بعشرات الألوف.

هكذا وفي نهاية عام 1924م كانت إسبانيا قد أخلت الريف وكان الخطابي قد نال إعجاب العالم وخصوصاً في بريطانيا وأمريكا وصرح الديكتاتور الإسباني في ذلك الوقت للجنرال الفرنسي دوشمبرا: "إن القضية الريفية تكلفنا أكثر مما في وسعنا وطاقتنا. وقد انسحبنا الآن إلى الساحل بالقرب من سبتة. أما الريف فلن تطأه أقدامنا".

اعتباراً من هذه النقطة لم يعد بإمكان فرنسا السكوت وقد كانت منذ معركة أنوال عام 1921م قد بدأت تحاول من جهة إقناع الأمير الخطابي أنها على الحياد ومن جهة أخرى الاتصال مع زعماء القبائل المحيطة بالريف ليسهلوا تحركات القوات الفرنسية على الحدود وأخيراً كانوا الفرنسيون يتصلون بشيوخ الطرق الصوفية لكي يوزعوا المنشورات التي تحاول تضليل البسطاء وإبعادهم عن الخطابي وإقناعهم أن الدين يأمرهم بترك القتال في صفوفه.

وأخيراً أرسل المارشال ليوطي قائد قوات فرنسا في المغرب لحكومته يحذرها من محمد عبد الكريم الخطابي "إن الريف أصبح لأول مرة تحت قيادة زعيم واحد هو عبد الكريم، وأخشى أن يصبح أمير الريف بطل الاستقلال بل إن صوره في كل مكان بشمال أفريقيا وآسيا الصغرى. إن الريفيين يستعدون علناً لفرض التغيير دون إرادتنا فهم يشقون الطرق ويمدون خطوط التليفون ويقيمون مواقع للمدافع الميكانيكية وإذا لم نعزز قواتنا فإن وجودنا في كفة القدر"

وفي عام 1923م زار وفد من "جمهورية الريف" باريس ولكنه وهو هناك تلقى نبأ قيام القوات الفرنسية بالتوغل في منطقة ورغة وحين سأل المسؤولين الفرنسيين عن هذا الموضوع قالوا له إن هذه الأمور من اختصاص المارشال ليوطي.

وهكذا وبعد أن كاد الوجود الإسباني يمحى نهائياً من منطقة الريف وجد الخطابي نفسه مضطراً لفتح جبهة جديدة مع فرنسا.

واستعانت فرنسا في حربها مع طلاب الحرية هؤلاء بكل ما لديها من جيوش وأسلحة ومرتزقة وبنى اجتماعية متهالكة جاهزة لخدمتها في المغرب ومع كل هذا هزم الفرنسيون في معارك متوالية واستطاع الريفيون احتلال مواقع يكاد يكون احتلالها مستحيلاً من الناحية العسكرية مثل موقع قمة تاونات و هو موقع مرتفع كان علم الفرنسيين العسكري يقول لهم إنه لا يمكن أن يهاجم إلا من منطقة السهل فتسلق إليه الريفيون من الجبل! ثم وقعت معركة كبرى 1925 م احتل فيها الريفيون موقع البيبان الاستراتيجي واحتلال هذا الموقع الذي استعمل فيه الفرنسيون كل أسلحتهم من قوات ومدافع وطائرات وقوات احتياط جلبت على عجل من الجزائر كان معجزة عسكرية أخرى من معجزات أهل الريف.

وبمدة وجيزة سقط سبعون من المعسكرات والحاميات الفرنسية في أيدي الريفيين وترك المارشال ليوطي كما قال الأمير في مقابلة له لاحقة مع الأستاذ أمزيان أسلحته وذخائره في الميدان كما فعل الإسبان من قبل ومن الطريف والجديد ربما أن نعرف أن هوشي مينه في فيتنام طبق لاحقاً ضد الاستعمار الفرنسي خططاً ابتكرها الريفيون منها مثلاً طرق مبتكرة في التموين والإمداد يتم فيها الاستغناء عن الإمداد المنظم للجيش.

وقرر ليوطي بعد هزائمه المذلة أن يهادن الخطابي لبعض الوقت وفي أثناء ذلك تكون حكومته كما اقترح عليها قد عقدت اتفاقاً مع إسبانيا للقيام بهجوم مشترك على الريف. كانت الخسائر الفادحة في صفوف الفرنسيين تسبب الاضطراب للحكومة الفرنسية التي كانت تحاول إخفاء وضع الجيش السيء في الحرب عن الرأي العام الفرنسي وفي الشهر الخامس من عام 1925م عينت الحكومة الجنرال دوغان قائداً عاماً للعمليات عازلة بهذا المارشال المتعجرف ليوطي ثم عزل دوغان بدوره بعد 45 يوماً من تعيينه وعين بدلاً منه الجنرال نولان.

واستعمل الفرنسيون في حربهم ضد الريف سياسة الإبادة الجماعية لكل ريفي أكان محارباً أم لا وقد فضح النواب المعارضون في الجمعية الوطنية الفرنسية الأوامر التي كانت تطلب من الجنود الفرنسيين إطلاق النار على كل منتم "للمناطق المتمردة".على أن الوحشية لم تجدهم نفعاً.

وهكذا ساد فرنسا التشاؤم من نتيجة الحرب وزادت المعارضة لها وسقطت الحكومة واسندت الحكومة الجديدة إلى بانليفيه الذي تولى رئاسة الوزارة والحربية ثم ذهب بنفسه إلى ساحة القتال في يونيو 1925م واجتمع بالقادة وحين عاد إلى باريس أبلغ بأن رجال الريف يتقدمون إلى فاس وكان المارشال ليوطي يتولى القيادة في فاس فنقل قيادته إلى مكناس وبدأ يوزع الأموال على شيوخ الطرق والزعماء المحليين لعرقلة نفوذ الجمهورية الريفية من داخل المجتمع المغربي و لكن إزاء الخسائر المتوالية أبعدت فرنسا المارشال ليوطي عن المغرب ورمت بسهمها الأخير ألا وهو بطلها الوطني الذي أبلى البلاء الحسن في الحرب العالمية الأول وهو المارشال بيتان.

ثم سقطت حكومة بانليفيه وذهب رئيس الوزراء الجديد بريان إلى مجلس النواب ليطمئن الرأي العام الفرنسي بطريقة عنصرية مخزية تستحق التأمل لقد قال في بيانه "إن فرنسا لا تخسر رجالاً في هذه الحرب فالجنود المغاربة هم الذين يقومون بهذه العمليات! إن قوات فرنسا في الميدان تبلغ أربعة وعشرين ألف جندي وليس بينهم سوى أربعة عشر ألف فرنسي وعشرة آلاف من أجناس أوروبية أخرى. أما الجنود المغاربة وشمال أفريقيا والمستعمرات الفرنسية فيبلغون مائتي ألف مقاتل"

كان المثال الريفي يهدد الاستعمار ليس في مكانه فقط بل في كل العالم المستعمر وخصوصاً في العالم الإسلامي وفي كتابه "ليوطي المغربي" ينقل الجنرال كاترو هذا القول لليوطي في أحد تقاريره للحكومة "إن العالم الإسلامي كله يرقب الحرب الدائرة الآن في الريف بكل اهتمام. إن هذه الثورة المعلنة في الريف تهدد نفوذ كل الدول الأوروبية ذات المصالح الاستعمارية في البلاد الإسلامية. تهدد فرنسا في شمال أفريقيا وغربها وتهدد بريطانيا في ممتلكاتها الإسلامية وفي الهند".

والدوائر البريطانية كانت طبعاً تتابع الحرب عن كثب وكان المستعمرون يتوحدون إذا كان الخطر يهدد المبدأ الاستعماري ذاته وقد وقع في الشهرين السادس والسابع اتفاقان بين فرنسا وإسبانيا يتعهدان فيه بالتعاون ضد الريف وبالتنسيق مع الأسطول البريطاني.

وجهزت فرنسا وإسبانيا حملة هائلة على أغادير مسقط رأس الأمير عبد الكريم الخطابي وكانت بقيادة الجنرال الإسباني سان خورخو والأميرال هوير الفرنسي تحت إشراف المارشال دريمودي ريفيرا و تألفت من مائة وخمسين قطعة حربية بحرية منها ثلاث حاملات طائرات وبعد مائة وعشرين يوماً من الحملة صمد الريفيون ولم يستطع الغزاة احتلال شبراً واحداً وكاد سان خورخو ينسحب ثم أمر بريمودي ريفيرا السلاح الجوي بضرب بني ورياغل بالغازات السامة وفي ظل هذه المعركة الإجرامية زار الصحفي الأمريكي فانسنت شين الأمير وكتب يقول "وصلت وسط عجيج مروع من الغارات الجوية التي تقوم بها طائرات تحلق باستمرار في سماء المعركة ودخلت على عبد الكريم في خندق بالخط الأمامي وسألته عن الموقف فقال بسرعة: لا جدوى من الحديث في شروط الصلح حتى يعترف بريمودي ريفيرا وغيره باستقلالنا. إن روعة شجاعته لا حد لها. إن تشبعه بأفكاره وإيمانه بعقيدته لم يتغير على الرغم من الأخطار المحدقة به إن هالات السمو والجلال والعظمة تحيط به وتزداد عظمته مع ظروف الرعب (...) إنني رأيته هذه المرة عملاقاً أكثر مما رأيته في مكتبه قبل سنة إنه عملاق في بطولته حتى بدا أمامي كل ساسة أوروبا الذين يصارعهم على عكسه. بدوا أمامي مجموعات من الساسة المشتغلين بالتوافه كأنهم هم أنفسهم مجموعة من لعب الأطفال يلهو بها هذا العملاق. ليتني كنت أستطيع البقاء معه مدة أطول هنا لأزداد تأملاً وتفكيراً ولأتعمق في دراسة هذه الظاهرة البشرية الفريدة التي أمامي."

ويصف هذا الصحفي كيف كان عبد الكريم يقف أثناء الحديث ويصوب بندقيته على الطائرات غير آبه بخطر الموت المحقق.

ما هي القوى التي قاتلت ضد عبد الكريم وماذا كانت قواته هو؟ هذا ما تذكره المصادر الرسمية الفرنسية:

كان لدى عبد الكريم عشرون ألف مسلح وكان عند الفرنسيين اثنان وثلاثون فيلقاً وأربعة وأربعون سرباً من الطائرات وثلاثون مارشالاً على رأسهم المارشال بيتان وأربعمائة ألف مرتزق ومائتان وخمسون ألف مقاتل إسباني وأربعون سرباً من الطائرات الإسبانية وخمسة وعشرون جنرالاً على رأسهم المارشال بريمودي ريفيرا (هذه الإحصائيات منقولة عن مداولات الجمعية الوطنية الفرنسية التي نشرت في الجريدة الرسمية الفرنسية في 2-6-1956م وذكرت هذه الإحصائيات بمناسبة النقاشات عن حجم القوات الذي يجب حشده ضد ثورة الجزائر)

وبرغم كل هذه الجيوش التي ربما كانت كافية لاحتلال قارة بكاملها فإن عبد الكريم ما هزمت إرادة القتال عنده ولكنه جنوده قتل وجرح أغلبهم وهنا تدخلت "القابلية للاستعمار" لإنهاء جمهورية الريف فلقد عمل مشايخ الصوفية على نصرة فرنسا وبالذات الشيخ التيجاني وساندت عناصر المجتمع المتحلل الذي أحاط بالريف القوات الغازية إن لم يكن بالقتال المنظم فبالهجوم للنهب والسلب وهكذا بقي مع الأمير أخيراً مائتا مقاتل وطوقته فرقة كاملة من الإسبان والفرنسيين فقاد ضدهم معركة في الشوارع بالسلاح الأبيض ثم بعثت القيادة الفرنسية إلى البيت الذي هو فيه بوفد طلب منه التسليم بشروط هي الأمان لرجاله وأهلهم وعدم إبعاده إلى خارج الوطن وقد عرض الخطابي على من تبقى من رجاله القيام بحرب عصابات فرأوا أن الوضع غير مناسب لها وهكذا ذهب الخطابي مع عشرين من رجاله على الجياد إلى مقر القيادة الفرنسية في ترجيست يوم الجمعة في 26 مايو 1926م فاستقبله الجنرال إيبوس وأركان حربه قائلاً له: باسم القائد العام للقوات الفرنسية المارشال بيتان أرفع يدي بالتحية العسكرية للرجل الذي حاربنا بشرف وأوقف الحرب بشرف.



· مسألة ازدواجية المقاومة والنهضة في مثال الخطابي



كان المجتمع التابع الذي ابتلي بالاستعمار يواجه ضرورتين في آن واحد: النهضة الحضارية والتحرر من السيطرة الاستعمارية.إنها المهمة المزدوجة:المقاومة والنهضة.ولو عدنا إلى تعابير المفكر جار الخطابي ومعاصره "مالك بن نبي" لقلنا إن المجتمع يواجه مهمتين: إنهاء "القابلية للاستعمار" و "إنهاء الاستعمار".

وكان بن نبي يكرر القول إن القابلية للاستعمار قد توجد في المجتمع ولو لم يكن هناك استعمار. ومن جهة أخرى فقد يحتل مجتمع ما احتلالاً مؤقتاً ولكنه لا يكون قابلاً للاستعمار كما جرى لليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

و"القابلية للاستعمار" هو اسم يصف عنده نتيجة من نتائج التدهور الحضاري وقد اختار هذا الوصف لأن الاستعمار كان أسوأ ما جرى للمجتمع المنحط حضارياً.إنه مجتمع تفكك وفقد الفاعلية وتمزقت "شبكة علاقاته الاجتماعية" وساده الكسل والخمول والتواكل والأنانية وكل العيوب التي تطيل مرض التبعية وتعوق الشفاء منه.

ومالك بن نبي كان يعرف طبعاً الخطابي معرفة جيدة،بل هو يذكر في مذكراته "مذكرات شاهد للقرن" كيف كان حديث حرب الريف يملأ الجزائر: "فالريفيون كانوا أسوداً يكافحون وحشاً يفترسنا جميعاً وبطولة الريفيين كانت تثأر لشعب لا يستطيع الثأر لنفسه" وكيف فكر حين كان طالباً في قسنطينة أثناء حرب الريف مع طلاب آخرين في الالتحاق بالأمير(11) ولو أنني أستغرب كيف لم يفكر في دراسة تجربته النهضوية وهي تكاد تكون كما رأينا تطبيقاً عملياً لمفاهيمه هو عن طبيعة النهضة التي تنطلق من النهضة المبنية على فكرة فاعلة محركة من طبيعة دينية تسري في المجتمع فتبدأ فيه دورة حضارية جديدة تقضي على "القابلية للاستعمار" أولاً ثم تنتهي بالقضاء على الاحتلال الاستعماري نفسه بعد ذلك.

كان بن نبي قد وصف نضال المجتمع الجزائري تحت قيادة الأمير عبد القادر بأنه كان نضال أبطال يريدون الخلود لا البقاء!:

"إنهم كانوا يقاتلون من أجل الخلود لا من أجل البقاء".."فعندما برق في أفقنا فرس الأمير عبد القادر في وثبته الرائعة كان الليل قد انتصف منذ وقت طويل ثم اختفى سريعاً شبح البطل الأسطوري كأنه حلم طواه النوم"(12)

هذا الوصف الحزين لنضال بلا أمل وإن يكن بطولياً هل ينطبق على نضال الخطابي ومجتمع الريف؟

لقد رأينا أن هذا المجتمع الريفي الذي قاوم مقاومة الجبابرة لم يكن يستطيع إنجاز مهمة المقاومة الكفؤة القادرة مبدئياً على الانتصار لولا النهضة الإصلاحية العظيمة التي قادها الخطابي.

على أن المقاومة نفسها قد تكون منطلقاً لتغييرات اجتماعية نهضوية ترافقها وتعمق التغييرات النهضوية التي كان المجتمع بصددها فهي تشحذ الهمم وتخرج الإمكانيات المكبوتة للتغيير وتساعد في قهر عوامل الكسل والقصور الذاتي وتخرج من الأعماق الدوافع المثالية للتضحية بالمصالح الخاصة والأنانية وكل هذا نجده في فلسطين المنتفضة ومن المؤسف أن قليلاً من الدراسات عن الانتفاضتين الأولى والثانية في فلسطين قد ركزت على التغيير الاجتماعي الهائل الذي جلبته المقاومة الاجتماعية الشاملة للاحتلال.واتفاق أوسلو كان من أهدافه أصلاً إعادة إدخال عناصر الانحلال والفساد إلى مجتمع كانت الانتفاضة قد نظفته وأوشكت على تطهيره وبناء أعمدته الاجتماعية وهيكله السياسي على أسس سليمة نقية صحية.

كان الريفيون يقاتلون "للبقاء" وللتحرر لا "للخلود" فحسب. أي ليس كمجرد تعبير بطولي يائس عن الصمود حتى النهاية. ولقد كان مشروع عبد الكريم للتحرر مشروعاً واقعياً ناجحاً لولا صغر مجتمعه وعيوب المجتمع الأكبر الذي أحاط به.

وإن كان من عبرة قيمة نستقيها فهي أن المقاومة مهددة دوماً بأن تقضي عليها قوى الاستعمار المتفوقة إن لم تترافق مع نهضة حضارية شاملة في الوطن الكبير تتعدى الحدود الإقليمية الضيقة وتستطيع أن تهب للنجدة التي تقلب موازين القوى وإلا استفرد الاستعمار بها إن كان المحيط خاملاً مستسلماً للسبات الحضاري.



هوامش وإحالات:



(1)محمد سلام أمزيان- "عبد الكريم الخطابي وحرب الريف"- مطبعة المدني – القاهرة –1971- ص11.

(2)منذ هذا التاريخ يتأرخ التاريخ الإسلامي للأسف بتاريخ أوروبا الميلادي لا تاريخنا الهجري لأننا نؤرخ بالتاريخ الهجري لأحداثنا التي كنا نصنعها بأيدينا إن كانت صواباً أم خطأ أما بعد الانهيار الحضاري فالأحداث لم نعد نحن نصنعها بل غاية ما نفعله إن فعلنا أن نرد على ما صنعه غيرنا فلا غرو أن تنسب سلسلة الأحداث إلى من وجهها وبادر بها،وهذه النقطة يطول الحديث فيها فلنكتف هنا بمجرد الإشارة.

(3) م.ن. ص114.

نقلاً عن: د.محمد خير فارس-"المسألة المغربية"-طبع الجامعة العربية بالقاهرة-1961-ص88 وما بعدها.

(4) م.ن. ص122-123.

(5) م.ن. ص83.

(6) م.ن. ص89- 90.

(7) م.ن. ص90-92.

(8) م.ن. ص 101.

(9) م.نص.92

(10) كما فعل فونتين في كتابه "عبد الكريم مصدر الثورات في شمال أفريقيا"

(11) مالك بن نبي – مشكلات الحضارة – "مذكرات شاهد للقرن" – بإشراف ندوة مالك بن نبي – دار الفكر – دمشق – ط2- 1984- ص 126-128.

(12) مالك بن نبي – مشكلات الحضارة – "شروط النهضة" – إصدار ندوة مالك بن نبي-ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين-دار الفكر بدمشق-1970م-ص20
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le vendredi 12 décembre 2008 08:18

Modifié le vendredi 12 décembre 2008 08:30

karim

karim
[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le jeudi 11 décembre 2008 18:48